ملا محمد مهدي النراقي

152

جامع السعادات

يكرم بعض العجائز كلما دخلت عليه ، فقيل له في ذلك ، فقال : إنها كانت تأتينا أيام خديجة ، وإن كرم العهد من الدين ) . فمن الوفاء مراعاة جميع الأصدقاء والأقارب والمتعلقين ، ومراعاتهم أوقع في القلب من مراعاة الأخ المحبوب في نفسه ، فإن فرحه بتفقد من يتعلق به أكثر من فرحه بتفقد نفسه ، إذ لا تعرف قوة المحبة والشفقة إلا بتعديها من المحبوب إلى كل من يتعلق به ، حتى أن من قوي حبه لأخيه تميز في قلبه كلبه الذي على باب داره من سائر الكلاب . ولا ريب في أن المحبة التي تنقطع - ولو بعد الممات - لا تكون محبة في الله ، إذ المحبة في الله دائمة لا انقطاع لها . فما قيل من أن ( قليل الوفاء بعد الوفاة خير من كثيره حال الحياة ) إنما هو لدلالته على كون الحب في الله . وبالجملة : الوفاء بالمحبة تمامها . ومن آثار الوفاء أن يكون شديد الجزع من مفارقته ، وألا يسمع بلاغات الناس عليه ، وأن يحب صديقه وبغض عدوه ، ليس من الوفاء موافقة الأخ فيما يخالف الحق في أمر يتعلق بالدين ، بل من الوفاء المخالفة له وإرشاده إلى الحق . هذا وأما البعد والأنس ، فقد عرفت أن الأنس عبارة عن استبشار القلب بما يلاحظه من المحبوب بعد الوصول ، والبعد خلافه ، والأنس والخوف والشوق ، كلها من آثار المحبة ، وكل واحد منها يرد على المحب بحسب نظره ، ومما يغلب عليه في وقته ، فإذا غلب عليه التطلع من وراء حجب الغيب إلى منتهى الجمال ، واستشعر قصوره من الاطلاع على كنه الجلال ، انبعثت النفس وانزعجت له ، وهاجت إليه ، فسميت هذه الحالة في الانزعاج ( شوقا ) ، وهو بالإضافة إلى أمر غايب ، وإذا غلب عليه الفرح بالقرب ومشاهدة الحضور بما هو حاصل من الكشف ، وكان نظره مقصورا على مطالعة الجمال الحاضر المكشوف ، غير ملتفت إلى ما لم يدركه بعد ، استبشر القلب بما يلاحظه فيه ، فيسمى استبشاره ( أنسا ) ، وإن كان نظره إلى صفات العز والجلال والاستغناء وعدم المبالاة ، واستشعر إمكان الزوال والبعد ، تألم قلبه بهذا الاستشعار ، فيسمى تألمه ( خوفا ) ، وهذه الأحوال تابعة لهذه الملاحظات ، فإن غلب الأنس وتجرد عن ملاحظة